رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 19 نيسان( ابريل ) 2017 - السنة السابعة - العدد 1713

دعوة لتدوين الحقائق قبل انمحائها

كريم راهي
بعد انتهائي من قراءة رواية (منزل الجميلات النائمات) كنتُ اتسائلُ في داخل نفسي: هل كان إيغوشي مُحِقّاً؟ فأجيب بنعم.. لقد كان الرجلُ كذلك! وعندما يكون أحدٌ ما قد خلُصَ من قراءة هذا الدايولوج الذاتي الذي أكتبهُ الآن، أكون في طريقي لأن أغلّق المنافذ أمام كوابيسَ تحاول أن تنفذ إلى منامي ككل ليلة. 
ترد في رواية (ياسوناري كاواباتا) آنفة الذكر - والتي أتى غابرييل غارسيا ماركيز على ذِكرِها في واحدة من أجمل أقاصيصه- عبارةٌ ينبغي التوقّف عندها، يقول كاواباتا: 
"لقد حكت شاعرة، ماتت على إثر سرطان وهي لم تزل شابة، عن ليالي الأرقِ في قصائدها قائلة: هو ذا الليل يخبّئ لي ضفادعَ وكلاباً ميّتة وغرقى...
كان إيغوشي قد حفظ هذين البيتين ولم يعد في وسعه نسيانهما. هذه المرّة أيضاً تذكّر القصيدة وتساءَل هل الفتاة النائمة أو التي نُوّمت في الغرفة المجاورة تنتمي إلى هؤلاء الغرقى". 
ولمن قرأ هذه الأعجوبة الصغيرة أقول: إنّ ما أوجب رضاي هو الطريقة التي تناول فيها (كاواباتا) شخصية (إيغوشي) التي تبدو غير سويّة لغيري، والتي لا أجد أيّة مثلبة في تفسير سلوكِهِ ذاك بصدد الجميلات النائمات. كان عمر الروائي الياباني كاواباتا حين كتب الرواية إثنتين وستين سنة (انتحر بعدها بعشر سنوات). هو على هذا الأساس لا بد وأن تسنّى له الوقتُ ليحتكم لرؤية إيغوشي العجوز. ولم يكن بحاجة إلى عمر إضافي للوصول إلى عقلية إيغوشي وتبرير سلوكه الذي يراه الآخرون شائناً. 
حدث معي في حوارٍ مع سينمائيين شبّان أنّهم رؤوا أن فيلم (صيّاد الغزلان) نال من الشهرة أكثر مما يستحقّ. كنت حينها في نهاية عقدي الخامس، فيما كان أكبرهم يصغرني بعقدين، وكنت أحاول إفهامهم أن مثل هذا الفيلم يحتاج إلى يعيش المرءُ حياتهُ مرّتين، لكي يحكم عليه بمثل ما أفعلُ الآن. أعتقد أن هنالك الكثير في الحياة مما يحتاج إلى زمنٍ أكبر للوصول إلى كنهِ جوهره، بل أكادُ أجزم أن الموت ليس نهاية، بل هو التجربة الأكبر التي نحتاج إلى حياة لاحقةٍ لفهمها. أعودُ لإيغوشي فأقول: كان العجوز على حقّ، ولولا ذلك لما تجرّأ ماركيز فكتب بتأثير من شخصيته قصتهُ الرائعة التي حملت العنوان نفسه. ما أردتُ قولهُ هنا، أنّ على الجيل الذي لم يتسنّ لهُ أن يكون شاهداً على ما كُنّا شاهدين عليه؛ أن يتأنّى في الحكم على تجارب تحتاجُ حيثيّاتها إلى شهود عيان هم نحنُ؛ الجيل الذي شهد القهر والحيف والسنوات المريرة. فبعد عقدين أو أكثر سوف نصبحُ ذكرى، وعلى هذا فنحن مطالبون، كواجب وطنيّ، أن يدوّن كلٌّ منّا تجربته في نصف دزينة العقود التي عاشها، قبل أن تحتلّ معارك الأفكار طاولات النقاش في هذا المشرب أو تلك المقهى بشأن ما حدث في القرن المنصرم، تدويناً رصيناً يُغني عن النقل الشفاهي والعنعنات.
لقد شهدنا بأعيننا التي (سيأكها الدود) قمل السجون وسخاء الدم في الحروب، إنتفاضة ما بعد احتلال الكويت وقصف مدن الوسط والجنوب وانفصال الشمال بعدها، شهدنا هجير صحارى رفحاء والأرطاوية. شهدنا سحق الحركة الوطنية نهاية السبعينيّات وتشرّد من لم تسحقه ثرامات دجلة ممن لم يغادروا الوطن، شهدنا تهجير العراقيين من التبعيّة الإيرانية لحقبتين وإعدام صفوة شباب السبعينيّات. شهدنا حلبچة ودفن أكثر من 180 ألف كردي بعدها وهم أحياء. شهدنا كلّ شيء.. كلّ شيء! فلنكتب قبل أن تنمحي الحقائق ويزيّف التاريخ، ولنكتب لأننا الخاسرون هذه المرّة وليس المنتصرين، كي نجهز على واحدة من المقولات الجاهزة التي تتواتر بالتناقل (التأريخ يكتبه المنتصرون).
ولنقل قبل أن ننام نومتنا الأبديّة: تصبحون على أحلامٍ بِلا ضفادعَ وكلابٍ ميّتة وغرقى!

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي