عبر القرون الأربعة الأخيرة تتكرر ظاهرة انتقال الضابط العسكري من ميدان القتال إلى ميدان تأسيس الدولة في لحظات انهيار النظام القديم، بحيث يصبح القائد العسكري أداة لإعادة تركيب الشرعية السياسية لا مجرد فاعل أمني، ويظهر هذا النمط بوضوح عند مقارنة تجارب أوليفر كرومويل (1599–1658) وجورج واشنطن (1732–1799) وسيمون بوليفار (1783–1830) ونابليون بونابرت (1769–1821) ومصطفى كمال أتاتورك (1881–1938) وجمال عبد الناصر (1918–1970) وعبد الكريم قاسم (1914–1963) ومعمر القذافي (1942–2011)، حيث تمتد هذه الظاهرة من أوروبا القرن السابع عشر إلى العالم العربي في القرن العشرين.
يظهر كرومويل في إنجلترا القرن السابع عشر خلال الحرب الأهلية (1642–1651) بين الملكية والبرلمان، وبعد إعدام الملك عام 1649 حكم بصفة “اللورد الحامي” حتى وفاته 1658، فكان قائدًا عسكريًا كسر بنية الحكم المطلق وفتح الطريق لتطور لاحق نحو الملكية الدستورية، لكنه لم يؤسس نظامًا مستقرًا طويل الأمد باسمه. بعد قرن تقريبًا يقود واشنطن حرب الاستقلال الأمريكية (1775–1783)، ويصبح أول رئيس للولايات المتحدة (1789–1797)، ثم ينسحب طوعًا من السلطة، واضعًا سابقة تداول الحكم، فتتحول الشرعية من شخص القائد إلى الدستور والمؤسسات.
في الزمن ذاته تقريبًا يظهر نابليون في سياق الثورة الفرنسية (1789) والفوضى التي تلتها، ويستولي على السلطة بانقلاب 1799، ويتوج إمبراطورًا 1804، ويهزم نهائيًا 1815، لكنه يترك خلفه “القانون النابليوني” وإدارة مركزية حديثة، فيجمع بين بناء الدولة الحديثة وتركيزها في شخصه. أما بوليفار فيقود حروب التحرير في أمريكا اللاتينية بين 1810 و1825، ويساهم في استقلال فنزويلا وكولومبيا والإكوادور وبوليفيا، ويحلم بدولة موحدة (كولومبيا الكبرى) لكنه يواجه تفككًا داخليًا وينتهي إلى العزلة قبل وفاته 1830، ليجسد مأساة تأسيس جمهورية حديثة في بيئة اجتماعية لم تكتمل فيها بعد الشروط المؤسسية والثقافية للحياة الجمهورية.
ننتقل إلى القرن العشرين، حيث يقود أتاتورك حرب الاستقلال التركية (1919–1923) بعد انهيار الدولة العثمانية، ويؤسس الجمهورية التركية 1923 ويقودها حتى وفاته 1938، فيحوّل دولة إمبراطورية دينية إلى دولة قومية علمانية ذات مؤسسات حديثة نسبيًا، فيمثل نموذجًا ناجحًا نسبيًا للعسكري الذي يتحول إلى مؤسس دولة تتجاوزه. وفي العالم العربي يظهر ناصر عبر حركة الضباط الأحرار 1952 ويتولى الرئاسة فعليًا 1954 حتى وفاته 1970، ويقود مشروعًا قوميًّا اجتماعيًّا واسع التأثير لكنه يربط شرعية النظام بالثورة والزعيم أكثر من ربطها بمؤسسات تداول مستقرة، ويصل قاسم إلى السلطة في العراق بانقلاب 14 تموز 1958 ويحكم حتى 1963، محاولًا إعادة توجيه الدولة اجتماعيًا واقتصاديًا في بيئة منقسمة سياسيًا واجتماعيًا، بينما يستولي القذافي على السلطة في ليبيا 1969 ويبقى حتى 2011، طارحًا نموذجًا “ثوريًا” بديلًا عن الدولة التقليدية لكنه يضعف البناء المؤسسي المستقل.
من هذا الامتداد الزمني الطويل يتضح أن الظاهرة واحدة لكن النتائج مختلفة جذريًا، فحيث نجح القائد العسكري في تحويل شرعية اللحظة الثورية إلى شرعية قانون ومؤسسة، كما في الحالة الأمريكية نسبيًا والتركية بدرجة معتبرة، استمرت الدولة بعده، وحيث بقيت الشرعية مرتبطة بالقائد أو بالثورة المستمرة، كما في تجارب عديدة من العالم العربي، بقيت الدولة أكثر هشاشة أمام التحولات. وهكذا يكشف التاريخ عبر هذه التواريخ المتباعدة أن البطولة العسكرية قد تفتح باب التحول، لكنها لا تكفي وحدها لتأسيس دولة قابلة للاستمرار، لأن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المعركة، عندما يتحول السؤال من “من يملك القوة؟” إلى “من يملك القاعدة؟”