في 50 سنة (1958 - 2008) شهد العراق 6 انقلابات: 58 ،8 شباط و18 تشرين الأول 1963 ، 17 و30 تموز 1968 ، 1979. في الفترة نفسها هناك ايضا بروفة حرب اهلية في 1959 وفعلية 2005 - 2007 وحرب الشمال المديدة (1959 - 1991)، حرب اهلية كردية منسية عام 1996، ثم الذروة مع حروب ايران والكويت واميركا، والحصار الدولي لـ 13 عاما.
يعني 15 خضة متفاوتة الحجم في نصف قرن عاش الناس خلالها ”جاك الواوي جاك الذيب“.أي بمعدل 3.3 خضة كل عقد. والذيب احيانا له قوة النيران الأعنف في التاريخ، أو عقاب كوني جعل البلد أكبر مقبرة جماعية للموتى الأحياء، او رعب حرب الجميع ضد الجميع في النزاع الطائفي.
وبرغم ذلك تقول دراسة لمنظمة الصحة العالمية، نشرت في 7 آذار 2009، ان « الإضطرابات العقلية بين العراقيين ليست أكثر انتشارا من الدول التي تعيش في سلام».
وبالنسبة الى معدي الدراسة الغربيين اعتبرت هذه النتيجة ”مفاجأة“، أو انها أظهرت قدرة مفاجئة لدى العراقيين على التكيف مع الصدمات. أما سبب كون النتيجة مفاجئة فهو انها أبطلت علم النفس الذي يقرر «حتمية حدوث اختلال عقلي للانسان الذي يتعرض الى كم هائل من الصدمات النفسية وحروب تسفر عن فقدان الأهل والأقارب».
هل هذا الإستنتاج سلبي أم ايجابي؟
قد يخطر على البال هذا السؤال. لكنني لا اعتقد ان هذا هو السؤال الصحيح. السؤال الصحيح بظني هو: هل يعمل علم النفس عندنا أم لا يعمل؟ وهل للعلاج النفسي موقع في طبابتنا أم لا؟ الحقائق على الأرض قالت الآتي: لدينا مستشفيان للامراض النفسية هما الرشاد وابن رشد وبضع عيادات نفسية خاصة لا يراجعها الا عدد محدود جدا من المرضى. ويقول تقرير المنظمة الدولية نفسه ان مشكلات الصحة العقلية غالبا ما تمضي دون علاج في العراق. ويضع وزير الصحة صالح الحسناوي مسك الختام قائلا: المرض العقلي ينظر اليه في العراق على انه وصمة عار كبيرة.
وهذه الحقائق تقول شيئا واحدا هو ان الطب النفسي لم يتحول الى حاجة اجتماعية فعلية في العراق. والواقع انه لم يصبح حاجة لدى معظم شعوب الأرض التي لم تعش وبالتالي لم تعان مخاض الإنتقال الى العصر الحديث او» الحداثة».
هذا ما يؤكده العالم النفساني كارل غوستاف يونغ (1875 ـ 1961). فهو يقول ان سماء الغرب كانت مليئة بالجن والملائكة والشياطين، وإن اسباغ الروح على الأشياء (أو الإرواحية) كان عاما. ولما اظهرت الكشوفات الفلكية ان السماء جبلت من نفس الطينة التي جبلت منها الأرض «سقطت النجوم من السماء وشحبت أنبل رموزنا» فعم العصاب وانتشر المرض النفسي، و» لهذا السبب عندنا اليوم علم نفس ونتحدث عن اللاوعي».
هكذا فتح غاليلو ثقوب النفس التي غطاها الدين. هكذا كان لعلوم الطبيعة تأثير في التجربة الغربية أعنف من تأثيرات الحروب.
هذا العلم والطب النفسي حسب يونغ زائد في شكل حضاري يمتلك تلك الرموز. ويوضح ذلك د.علي بستان مدير دائرة صحة الرصافة بقوله ان « المجتمع العراقي يجد له متنفسا في المناسبات الدينية والبكاء على الأضرحة ما يسهم في التخفيف من الأمراض».
ولذلك يبدو الطبيب النفسي في الأفلام المصرية مخبولا. فلم يصبح المرض النفسي بيننا جديا حتى ننظر للطبيب النفسي بجد. الناس لا تقدر سوى حاجاتها.