بغداد _ العالم
تتصاعد في بغداد دعوات سياسية لتدويل ما تصفه قوى نيابية بـ“الانتهاكات الأميركية والصهيونية” للأجواء العراقية، وسط مطالبات للحكومة بمغادرة مربع الصمت الدبلوماسي واللجوء إلى المسارات القانونية الدولية لردع تكرار الخروقات. ويؤكد مراقبون أن استخدام الأجواء العراقية منطلقاً لعمليات عسكرية إقليمية يضع السيادة الوطنية أمام اختبار حقيقي، ويستدعي تحركاً رسمياً على مستوى عالٍ.
شكوى إلى مجلس الأمن
عضو ائتلاف دولة القانون إبراهيم السكيني دعا الحكومة إلى تقديم شكوى رسمية لدى مجلس الأمن الدولي ضد الولايات المتحدة و”الكيان الصهيوني”، على خلفية ما وصفه بالتجاوزات المستمرة التي تطال سيادة العراق. وقال إن “العدوان الأخير الذي استهدف مؤسسات أمنية عراقية يمثل انتهاكاً صارخاً لا يمكن السكوت عنه”، مطالباً بتحرك دبلوماسي وقانوني يثبت الحق العراقي ويضع حداً للاستهتار بالأجواء والأراضي.
وشدد السكيني على أن حماية المؤسسات الأمنية وصون السيادة “مسؤولية عليا” تقع على عاتق الحكومة أمام المجتمع الدولي، محذراً من أن التهاون في الرد قد يفتح الباب أمام اعتداءات متكررة تهدد الأمن والاستقرار.
انتقاد الازدواجية
من جهته، انتقد عضو ائتلاف النصر عقيل الرديني ما سماه “ازدواجية المعايير” في السياسة الأميركية تجاه بغداد، معتبراً أن واشنطن تعلن دعمها للسيادة العراقية في العلن، بينما تخرقها عملياً عبر استخدام الأجواء لتنفيذ هجمات واستهداف مواقع ومؤسسات أمنية. ووصف الرديني هذه الهجمات بأنها “انتهاك سافر يهدد الأمن القومي”، داعياً الحكومة إلى الخروج من دور المتفرج وتفعيل ورقة الشكوى الدولية لوقف الاستباحة المتكررة.
خيارات بغداد القانونية
يرى خبراء في القانون الدولي أن أمام العراق عدة مسارات، أبرزها تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن، أو مخاطبة الأمين العام للأمم المتحدة لطلب إدراج المسألة ضمن جدول أعمال المجلس، فضلاً عن توثيق الانتهاكات ورفعها إلى المنظمات المعنية بالطيران المدني الدولي إذا ثبت استخدام الأجواء خلافاً للاتفاقيات النافذة. كما يمكن لبغداد تفعيل القنوات الثنائية للاحتجاج الدبلوماسي، أو إعادة النظر في الترتيبات الأمنية القائمة.
غير أن اللجوء إلى مجلس الأمن يواجه تعقيدات سياسية، في ظل توازنات دولية قد تحدّ من صدور قرارات ملزمة. ومع ذلك، فإن مجرد طرح القضية على المستوى الدولي يمنح بغداد مساحة أوسع لتثبيت موقفها القانوني وتسجيل اعتراض رسمي موثق.
اختبار السيادة والتوازنات
تجمع قوى سياسية على أن استمرار “البلطجة الجوية”، بحسب توصيفها، لا يستهدف أمن العراق فحسب، بل يسعى إلى تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. ويضع ذلك الحكومة أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على علاقاتها الدولية، خصوصاً مع واشنطن، وفي الوقت نفسه إظهار قدرة حقيقية على حماية السيادة ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات خارجية.
ويحذر مراقبون من أن أي تصعيد غير محسوب قد ينعكس على الاستقرار الداخلي والاقتصاد، في ظل ارتباط العراق بشبكة مصالح أمنية واقتصادية مع أطراف متعددة. لذا، تبدو الخيارات المطروحة أمام بغداد مزيجاً من التحرك القانوني المدروس والرسائل السياسية الواضحة، بما يحقق معادلة الردع من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
تمثل الدعوات إلى “تدويل” الانتهاكات اختباراً لقدرة الدولة العراقية على تفعيل أدواتها الدبلوماسية والقانونية، وتأكيد أن قرار الأمن والسيادة شأن وطني لا يقبل التجاوز، فيما تبقى الأنظار متجهة إلى الخطوة التالية التي ستتخذها الحكومة في هذا الملف الحساس.