تتسع في العراق، بهدوء مقلق ولكن بثبات واضح، فجوة اجتماعية ـ سياسية بين طبقة سياسية تتضخم ثروتها ونمط حياتها، وبين طبقات واسعة من المواطنين الذين ما زالوا يكافحون لتأمين أساسيات العيش الكريم، وهذه الفجوة لا تكمن خطورتها في بعدها الاقتصادي وحده، بل في ما تولّده من شعور متنامٍ باختلال العدالة وتآكل الثقة، وهما من أخطر المؤشرات على سلامة أي نظام سياسي في المدى المتوسط والبعيد.
فالعراق، رغم موارده النفطية الكبيرة، ما يزال يحمل سمات الاقتصاد الريعي الذي يربط توزيع الثروة بالوصول إلى الدولة أكثر مما يربطه بالإنتاج والعمل، وفي مثل هذه البنية تنشأ طبقات ثرية مرتبطة بالسلطة أو قريبة من مراكز القرار، في مقابل جمهور واسع يعتمد بدرجات متفاوتة على التوظيف الحكومي أو التحويلات أو النشاط الاقتصادي الهش، وهنا يبدأ التفاوت بالتحول من ظاهرة اقتصادية مألوفة إلى مشكلة بنيوية تمسّ شرعية النظام الاجتماعي برمته.
وتشير المؤشرات العامة إلى أن نسبة الفقر ما زالت مرتفعة في عدد من المحافظات، وأن بطالة الشباب تمثل تحدياً حقيقياً، في وقت يظهر فيه نمط حياة مرفّه لشرائح من النخبة السياسية والاقتصادية، وهذه المفارقة البصرية والمعيشية تحديداً هي التي تغذي الإحساس الشعبي بأن مسار التوزيع غير عادل، حتى لو تحسنت بعض المؤشرات الكلية في فترات ارتفاع أسعار النفط.
إن أخطر ما في المشهد العراقي اليوم ليس وجود تفاوت في الدخول بحد ذاته، فكل المجتمعات تعرف درجات من التفاوت، وإنما في طبيعة هذا التفاوت ومصدره، إذ يتكرس انطباع واسع بأن الثروة ترتبط بالقرب من الدولة أكثر مما ترتبط بالكفاءة والإنتاج، وحين يستقر هذا الإدراك في الوعي الجمعي يبدأ ما يمكن تسميته بالتآكل الصامت لرصيد الثقة العامة، وهو رصيد إذا ما تآكل يصبح ترميمه بالغ الصعوبة حتى لو توفرت الموارد المالية.
وقد أسهم نظام المحاصصة، بصيغته التطبيقية المعروفة، في تعميق هذا الإحساس، لأنه نقل التنافس السياسي في كثير من الأحيان من ميدان البرامج والسياسات إلى ميدان تقاسم المواقع والموارد، الأمر الذي أضعف معيار الكفاءة، ووسّع من دائرة التوظيف السياسي للموارد العامة، وأبطأ في الوقت نفسه نمو القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق فرص عمل مستدامة خارج عباءة الدولة.
وفي ظل هذه المعادلة، يجد الاقتصاد العراقي نفسه في وضع دقيق، إذ إن الدولة توزّع أموالاً أكثر مما ينتجه الاقتصاد الحقيقي غير النفطي، وهو وضع يمكن احتماله في فترات الوفرة النفطية، لكنه يتحول إلى مصدر هشاشة عند أول هبوط حاد في الأسعار أو أول ضغط مالي كبير، وعندها تظهر التناقضات الاجتماعية الكامنة إلى السطح بسرعة أكبر مما تتوقعه النخب الحاكمة.
إن التجارب المقارنة تشير بوضوح إلى أن المجتمعات لا تنفجر عادة بسبب الفقر المطلق وحده، بل بسبب اجتماع ثلاثة عوامل معاً: شعور واسع بعدم العدالة، وانسداد نسبي في فرص الصعود الاجتماعي، واتساع الفجوة المرئية في أنماط العيش بين القمة والقاعدة، وهذه العوامل الثلاثة تظهر بدرجات متفاوتة في الحالة العراقية الراهنة، وهو ما يستدعي قراءة هادئة ولكن جادة لمسار الأمور.
وإذا استمر المسار الحالي دون إصلاحات بنيوية عميقة، فإن السيناريو الأرجح ليس الانهيار المفاجئ، بل ما يمكن وصفه بحالة الجمود المتوتر، أي دولة مستقرة شكلياً ولكنها تحمل في داخلها مستويات متراكمة من الاحتقان الاجتماعي القابل للاشتعال عند أول صدمة اقتصادية أو سياسية كبيرة، وهو نمط عرفته دول ريعية عديدة قبل أن تضطر لاحقاً إلى إصلاحات مؤلمة تحت ضغط الأزمات. إن الخروج الآمن من هذه الدائرة لا يمر عبر إجراءات مالية جزئية أو معالجات إعلامية مؤقتة، بل عبر تحول تدريجي ومدروس نحو اقتصاد إنتاجي يوسّع قاعدة الفرص، وإصلاح مؤسسي يعيد الاعتبار لمعيار الكفاءة والمساءلة، وسياسات عامة تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، لأن الثروة وحدها لا تصنع الاستقرار ما لم تسندها عدالة محسوسة وثقة متبادلة.