بغداد ـ العالم
تشهد العاصمة بغداد تطورات أمنية متسارعة، في ظل تصاعد التوتر الإقليمي وتداعيات الضربات المتبادلة في المنطقة، ما دفع السلطات العراقية إلى تعزيز انتشارها الأمني ونصب حواجز كونكريتية عند الجسر المعلّق والمداخل المؤدية إلى المنطقة الخضراء، تحسباً لأي محاولة لاقتحامها من قبل محتجين مناهضين للوجود الأميركي. وأفاد مصدر أمني بوصول تعزيزات إضافية إلى محيط الجسر المعلّق، بالتزامن مع استمرار التظاهرات في الطرق المؤدية إلى المنطقة الدولية، حيث تقع السفارة الأميركية ومقار بعثات دبلوماسية أخرى. وأوضح أن القوات الأمنية اتخذت إجراءات احترازية لمنع أي احتكاك قد يفضي إلى تصعيد، لاسيما بعد محاولات سابقة لتجاوز الكتل الإسمنتية الموضوعة منذ أيام. وكانت القوات الأمنية قد استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق محتجين حاولوا التقدم نحو المنطقة الخضراء، فيما أعلنت قيادة العمليات المشتركة إصابة عدد من منتسبيها خلال احتكاكات عند الجسر المعلّق. وأشارت إلى أن مسلحين اندسوا بين المتظاهرين وأطلقوا النار وأحرقوا كرفانات وعجلة، مؤكدة إلقاء القبض على ثلاثة متورطين وملاحقة آخرين وفق القانون، مع التشديد على ضبط النفس وعدم استخدام الرصاص الحي. في موازاة ذلك، شيّعت كتائب حزب الله أربعة من منتسبي الحشد الشعبي/ اللواء 45، الذين قتلوا جراء قصف جوي استهدف منطقة عكاشات ضمن قاطع عمليات الجزيرة في الأنبار. وجرت مراسم التشييع في شارع فلسطين وسط بغداد، بحضور شخصيات أمنية وأهالي الضحايا، وسط أجواء مشحونة بالتوتر والغضب. وكانت خلية الإعلام الأمني قد أعلنت تعرض نقطة تابعة للواء 45 إلى ضربتين جويتين في عكاشات.
سياسياً، أصدر رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني أمراً ديوانياً بتوليه مهام وزارة الدفاع وكالة، ملغياً أمراً سابقاً كان قد كلف بموجبه وزيراً آخر بإدارة الحقيبة. ويأتي القرار في توقيت حساس، وسط تصاعد التحديات الأمنية والحاجة إلى توحيد القرار العسكري. وترأس السوداني اجتماعاً استثنائياً للمجلس الوزاري للأمن الوطني، شدد خلاله على ضرورة التصدي لأي جهة تحاول زج العراق في الصراع الإقليمي الدائر، مؤكداً أن قرار السلم والحرب والتحركات العسكرية هو مسؤولية الدولة حصرياً عبر مؤسساتها الدستورية. ووجه الأجهزة الأمنية بحماية البعثات الدبلوماسية والمنشآت الحيوية، مع ضمان حق التظاهر السلمي ضمن الأطر القانونية. على الصعيد الدولي، أعلنت سفارة الولايات المتحدة في بغداد تعليق خدماتها القنصلية ودعت رعاياها إلى البقاء في أماكنهم، محذرة من أن الاحتجاجات قد تتحول إلى أعمال عنف دون سابق إنذار. كما جددت وزارة الخارجية الأمريكية تحذير السفر من المستوى الرابع “عدم السفر” إلى العراق، داعية مواطنيها إلى مراجعة خططهم الأمنية والاستعداد لمغادرة البلاد عندما تسمح الظروف. وأشارت السفارة إلى إغلاق المنطقة الدولية وسط بغداد مع استثناءات محدودة، وإلى تقارير عن صواريخ وطائرات مسيّرة في الأجواء العراقية، فضلاً عن استمرار التظاهرات في محيط جسر 14 تموز. كما أكدت أن موظفيها تلقوا توجيهات بالبقاء في أماكنهم اعتباراً من 2 آذار، مع تعليق العمليات القنصلية كافة.
وفي سياق متصل، أفاد مصدر أمني بأن طائرتين مسيّرتين استهدفتا مواقع حساسة في بغداد، إحداهما باتجاه قاعدة فكتوريا قرب مطار بغداد الدولي، والأخرى سقطت داخل مقر العمليات الخاصة العراقية، من دون صدور حصيلة رسمية بالأضرار.
اقتصادياً، ناقش المجلس الوزاري للأمن الوطني المخاطر المحتملة لاستمرار العمليات العسكرية في المنطقة، مستضيفاً وزير النفط وزير الكهرباء وكالة ووزير التجارة، لبحث واقع إنتاج الوقود والطاقة وانعكاساته على الأمن الغذائي. وأكدت الحكومة اتخاذ إجراءات احترازية لمواجهة أي اضطرابات في الإمدادات أو سلاسل التوريد. وفي قراءة للمشهد الإقليمي، رأى المحلل السياسي صباح زنكنة أن إيران مرشحة للتحرك سريعاً لاحتواء تداعيات اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، عبر تفعيل مؤسساتها الدستورية والأمنية لضمان انتقال منضبط للسلطة ومنع أي ارتباك داخلي. وأوضح أن آليات القرار داخل مجلس الخبراء والحرس الثوري الإيراني ستلعب دوراً محورياً في تثبيت الاستقرار وإظهار تماسك الدولة، بما يعكس خبرة النظام في إدارة الأزمات الكبرى وتقليل كلفتها السياسية والأمنية. وأشار زنكنة إلى أن العراق سيكون من أكثر الدول تأثراً بحكم موقعه عند تقاطع النفوذين الأميركي والإيراني، لافتاً إلى أن أي فراغ في طهران قد ينعكس توتراً مؤقتاً في ملفات الفصائل والتوازنات الحكومية، إلا أن قدرة القوى العراقية على ضبط الإيقاع الداخلي ستظل عاملاً حاسماً في منع الانزلاق نحو تصعيد واسع. وبيّن أن المرحلة المقبلة قد تكون أقرب إلى “إعادة تموضع” إقليمي أكثر من كونها تحولاً جذرياً، وأن المسار سيتحدد وفق ما إذا كانت طهران ستتجه إلى تشدد أكبر لإثبات الردع، أم إلى براغماتية تكتيكية تركز على تثبيت الداخل وإدارة المواجهة بحسابات دقيقة.
وتعكس هذه التطورات حالة استنفار شاملة في بغداد، حيث تتقاطع الاحتجاجات الشعبية مع التحذيرات الدولية والقرارات الحكومية، في مشهد يعكس هشاشة التوازن الأمني في ظل صراع إقليمي مفتوح. وبينما تؤكد السلطات التزامها حماية البعثات وضبط الأمن ومنع الانجرار إلى المواجهة، تبقى الساعات المقبلة حاسمة في تحديد مسار الأحداث، ومدى قدرة الدولة على احتواء التصعيد والحفاظ على الاستقرار الداخلي.