بغداد _ العالم
مع حلول شهر رمضان، تنطلق على الشاشات العراقية موجة جديدة من الأعمال الدرامية التي تدخل سباق المشاهدة، وسط تنافس متزايد بين القنوات المحلية والمنصات الرقمية. هذا الموسم، لا تبدو الدراما العراقية مجرد مادة ترفيهية، بل ساحة اختبار حقيقية لقدرتها على ملامسة قضايا المجتمع، ومواجهة تحديات الإنتاج والرقابة والتمويل. وقدّم فنانون ومخرجون وكتّاب قراءة من الداخل لواقع الدراما العراقية، بين الطموح الفني والعقبات البنيوية.
الحديث عن الإنتاج يقود إلى مبادرة “منحة الدراما” التي أطلقت بدعم من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني. المخرج علي أبو سيف يعتبر أن هذه المبادرة ساهمت في تنشيط عجلة الإنتاج، مؤكداً أن المشاهد العراقي يميل بطبيعته إلى الأعمال القريبة من بيئته ومشكلاته، حتى لو ظل منفتحاً على الدراما المصرية أو السورية.
أما كاتب السيناريو أحمد هاتف فيقدم تقييماً أكثر توازناً؛ إذ يرى أن المنحة نجحت في تشغيل عدد كبير من الفنانين العاطلين وتحريك السوق الفنية اقتصادياً، لكنها لم تحقق قفزة نوعية على المستوى الفني بسبب محدودية المبالغ المخصصة. ويؤكد أن إنتاج أعمال كبيرة ومنافسة إقليمياً يتطلب ميزانيات أعلى بكثير، إلى جانب التخطيط والاحتراف.
من جهته، يشخّص المخرج والممثل الأكاديمي سنان محسن العزاوي مشكلة أساسية في شح النصوص القوية، مشيراً إلى أن عدد كتّاب السيناريو المحترفين محدود، ما يدفع بعض الجهات إلى الاعتماد على “ورش كتابة” تفتقر أحياناً إلى الاحترافية الكافية. ويؤكد أن المشكلة ليست في نقص الممثلين أو الكوادر الفنية، بل في ضعف النصوص والميزانيات المتواضعة. العزاوي، الذي يشارك هذا الموسم في بطولة مسلسل “عرش الشيطان”، يتحدث أيضاً عن تدخلات سياسية تعيق حرية الدراما. ويشير إلى قرار منع مسلسل “حمدية”، الذي كان من المقرر عرضه على قناة MBC عراق، بقرار من عضو مجلس الأمناء في هيئة الإعلام والاتصالات محمود الربيعي، بحجة الحفاظ على القيم الاجتماعية ومنع الإساءة لصورة المرأة العراقية. ويرى العزاوي أن مثل هذه القرارات تعكس خوفاً غير مبرر من الدراما، منتقداً ما يصفه بازدواجية الاهتمام، إذ يتم تجاهل أزمات اقتصادية ومعيشية مقابل التدقيق الصارم في الأعمال الفنية قبل عرضها. الممثلة الأكاديمية آلاء نجم ترى أن خصوصية الدراما العراقية تكمن في تنوع موضوعاتها، بين الكوميديا والتراجيديا والقصص الاجتماعية، وحتى أعمال الرعب التي بدأت تشق طريقها مؤخراً. وتؤكد أن الجمهور العراقي أصبح أكثر وعياً، ولا يتفاعل مع الأعمال السطحية أو المستسهلة، بل يميل إلى ما يمس حياته اليومية ويعكس واقعه. وتلفت نجم إلى ضرورة استمرار الإنتاج طوال العام، بدل حصره بالموسم الرمضاني، مشيرة إلى أن التطور التقني لم يعد يبرر التوقف بسبب الظروف المناخية. لكنها في المقابل تشكو من ضعف الأجور وطول ساعات التصوير، معتبرة أن نظام الأجور في العراق بحاجة إلى مراجعة جدية، خصوصاً في المسرح الذي تصفه بأنه “الأكثر غبناً” من حيث المستحقات.
في المقابل، يدافع مدير الدراما في شبكة الإعلام العراقي وديع نادر عن آلية اختيار النصوص، موضحاً أن هناك لجاناً مختصة تقرأ وتقيّم الأعمال قبل إجازتها، مع مراعاة الحفاظ على اللحمة الوطنية وعدم الإساءة لأي مكوّن اجتماعي. ويشدد على أن هذه الضوابط لا تعني فرض أجندات، بل حماية المجتمع من الخطاب التحريضي أو الإسفاف. نادر يلفت أيضاً إلى أن الشبكة أنتجت هذا الموسم 12 عملاً، ستة منها تُعرض في رمضان والبقية بعده لضمان استمرارية الإنتاج. كما يشير إلى أن أجور الفنانين في الشبكة، بحسب قوله، تفوق ما تدفعه بعض القنوات الخاصة، مع إشراك فنانين من المحافظات لأول مرة في أدوار بطولة.
في موسم رمضان 2026، يبدو أن الرهان الأكبر ليس فقط على نسب المشاهدة، بل على قدرة الدراما العراقية على تثبيت هويتها كمرآة صادقة للمجتمع، ومنصة نقاش لقضاياه، بعيداً عن الضغوط التي قد تُفرغها من جوهرها.