مر وقت بعد 2003 كانت فيه كلمة ”المصالحة“، مجرد الكلمة، مرفوضة. ثم انتقلت الى القبول، ثم الى صدارة القاموس السياسي العراقي. لكن الى الآن لم يصبح للكلمة او المفهوم معنى محدد: مصالحة مع من؟، بين من ومن؟
المصالحة تفترض وجود طرفين، عدوين او خصمين بالتحديد، لإن المصالحة لا تكون بين حليفين او صديقين، بل بين عدوين او خصمين. والطرف الأول معروف، انه الداعي الذي وصلت دعوته الى درجة تأليف وزارة للحوار الوطني. انه الإئتلاف الشيعي الحاكم.
ماذا عن الطرف الثاني؟
الى الآن لم يسم الداعي المدعو. هل عرفتم دعوة دون مدعوين؟ وليمة دون ضيوف؟ خصومة او صداقة من طرف واحد؟
الواقع ان ”العدو“، بالنسبة الى الحكم، معروف. وهو يتألف من طرفين احدهما مسمى ومنصوص عليه في الدستور. والثاني غير مسمى ولا يرد علنا على لسان الدستور او السياسة. انهما حزب البعث المحظور دستوريا، وفئة جنرالات الجيش السابق من عقيد فما فوق. ويجري الحديث احيانا او غالبا عن نوع من ”المصالحة“ مع الجنرالات (من عميد الى فريق اول). وبالمناسبة فان عددهم كبير بل وإستثنائي بالنسبة الى اي جيش من الجيوش. إذ يبلغ 11 ألفا، في حين ان جيش اميركا، مثلا، يضم فقط 300 من هذه الفئة !
ونوع المصالحة الذي تريده الحكومة معهم هو منحهم معاشات تقاعد. وأغلب هؤلاء يقيم خارج البلاد. وهذه خطوة طيبة على طريق ”المصالحة“، وبادرة انسانية، وأهم من هذه او تلك سياسة صحيحة. فليس من الصحيح ربط كل مؤسسات دولة ما قبل 2003 بصدام كما فعل هو نفسه. ورحم الله من قال ان صدام كان ظالما في كل شيء لكنه كان عادلا في توزيع ظلمه على الجميع. والجيش العراقي كان جزءا من ذلك الجميع، بل ربما عانى إذلالا أكثر من الجميع. فقد شله تماما، وافقده كرامته، بتحويله الى اداة شخصية، بلا رأي ولا مبادرة، في سلم او حرب. حتى قيل ان الجنرالات آخر من يعلم.
ولا أعرف سياسيا واحدا أيد، علنا، القرار رقم 2 الذي أصدره بول بريمر بحل الجيش العراقي. مع ان كل كبار الطبقة السياسية أثنوا عليه، سرا، كما يروي بريمر في كتابه (سنتي في العراق).
ويروى ان زعيما سنيا قدم لائحة باسماء مئات الجنرالات الى زعيم آخر بهدف اعادتهم الى الجيش. فرد عليه الأخير: ما هذا يا ابو فلان؟ تريد اتسوي انقلاب !
وهذه ”دوخة“ العالم الثالث مع الجيوش. فالبلدان ضعيفة الولاء للقانون مهددة دائما بحكم القوي. والجيش هو مؤسسة القوة. وما ان تتقدم العضلة على الحكمة يقفز الجيش الى السلطة. ويبدو ان الطبقة السياسية العراقية وجدت نفسها بين خيارين: أمنها أو أمن الشعب. فاختارت الأول وكان ما كان. وهذا غير ان قصة الجيش العراقي إقليمية ودولية ايضا. أما البعث فهو ”أم القصة“. وحديثه آخر.